تكتب هيئة تحرير الجارديان في هذا الرأي التحليلي أن موجة الزيارات الغربية إلى بكين، ومن بينها زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، لا تعكس نسيان العالم لسياسات الصين الصلبة أو إدارتها للجائحة أو تقاربها مع روسيا خلال حرب أوكرانيا، بل تعكس قلقًا متزايدًا من الاضطراب الذي أحدثه دونالد ترامب منذ عودته إلى السلطة. تدفع هذه الفوضى دولًا متوسطة القوة، مثل كندا وفرنسا وبريطانيا، إلى إعادة ترتيب رهاناتها، بحثًا عن شريك يبدو أكثر قابلية للتوقع، حتى إن لم يكن أكثر ودًّا.


وتشير الجارديان إلى أن الخبر الأهم في بكين لم يكن زيارة ستارمر، بل قرار الرئيس الصيني شي جين بينغ إقصاء أحد أبرز جنرالاته، تشانج يو شيا، في خطوة تكشف عمق التحول داخل النظام السياسي والعسكري الصيني، وتسلط الضوء على مخاطر متزايدة في عالم تحكمه شخصيات قوية لا تحتمل المعارضة.


تطهير في قمة الهرم العسكري


تكشف الصحيفة أن إقصاء تشانج يو شيا يؤكد حقيقة راسخة في نظام يزداد تمركزًا حول شخص واحد: لا أحد محصن من السقوط. قاد شي جين بينغ خلال سنوات حكمه حملة أطاحت بمسؤولين كبار في الحزب والدولة، وألغت حدود الفترات الرئاسية، ورسخت عبادة شخصية غير مسبوقة. واليوم، يعيد شي تشكيل جيش التحرير الشعبي بشكل جذري، بعدما قلّص اللجنة العسكرية المركزية من سبعة أعضاء إلى شخصين فقط: هو نفسه ورئيس جهاز مكافحة الفساد العسكري.


تبرر الرواية الرسمية هذه الإقالات بالفساد المستشري، خاصة داخل الجيش، حيث ترسخت ممارسات مثل شراء الترقيات والتلاعب في صفقات التسليح. وتبدو هذه الظاهرة، بحسب الصحيفة، شديدة الخطورة نظرًا لطبيعة الجيش ودوره الحاسم. قد يفسر هذا السياق إبعاد قادة قوات الصواريخ في عام 2023، وهم المسؤولون عن الترسانة النووية والصاروخية. لكن الإعلام الصيني أشار إلى أن الذنب الحقيقي لتشانج وقادة آخرين يكمن في “تقويض مبدأ المسؤولية العليا لرئيس اللجنة العسكرية”، أي شي نفسه، ما يجعل التهمة سياسية بالأساس.


مخاطر على الاستقرار والتواصل الدولي


تحذر الجارديان من أن الاضطراب داخل جيش التحرير الشعبي يعقّد العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة. لا تزال قنوات الاتصال المباشر بين الجيشين مقطوعة منذ 2022، رغم حديث عن نية استعادتها. في ظل هذا الغياب، تتزايد مخاطر سوء التقدير أو الحوادث غير المتوقعة، خاصة في مناطق حساسة مثل مضيق تايوان. تشير الصحيفة إلى حادثة عام 2001، حين اصطدمت طائرة تجسس أمريكية بمقاتلة صينية، لتؤكد أهمية وجود آليات فعالة لخفض التصعيد ومنع الانزلاق إلى أزمات كبرى.


يتجاوز القلق مسألة التواصل ليصل إلى فقدان الخبرة داخل المؤسسة العسكرية. امتلك تشانج خبرة قتالية نادرة، بعدما شارك في الحرب مع فيتنام، وترك انطباعًا إيجابيًا لدى نظرائه الأمريكيين خلال زيارات سابقة. يثير غيابه مخاوف من أن يؤدي تهميش الكفاءات إلى تضخم الثقة بالنفس وسوء الفهم، وهما عنصران خطيران في بيئة دولية متوترة.


عصر الزعماء الأقوياء وتآكل الحقيقة


تربط الجارديان بين ما يجري في الصين ومشهد عالمي أوسع، حيث تحكم شخصيات قوية تحيط نفسها بالمصفقين والخائفين. ترى الصحيفة أن المخاطر لا تقتصر على الصين، بل تشمل الجميع. تقارن بين شي جين بينغ ودونالد ترامب، مؤكدة أن ترامب، رغم انتخابه ديمقراطيًا، يهاجم القيود المؤسسية ولا يصغي إلا حين يخدمه ذلك. خلال ولايته الأولى، واجه معارضة داخل إدارته؛ أما اليوم، فيبدو محاطًا بدائرة أقرب إلى البلاط، وإن ظل مضطرًا لمواجهة معارضة إعلامية وقضائية.


في المقابل، تتساءل الجارديان بقلق: من يجرؤ في الصين على قول الحقيقة أو إبداء مبادرة مستقلة، حين يسقط جنرال مخضرم، ينتمي إلى النخبة الثورية، وارتقى بدعم مباشر من شي نفسه؟ ومن يجرؤ على نقل أخبار غير مرغوبة إلى القيادة؟ ترى الصحيفة أن إسكات المعرفة والخبرة يضاعف المخاطر، لأن القرارات المصيرية تُتخذ في فراغ من النقد والمراجعة.

 

ترسم الجارديان صورة لعالم تزداد فيه المخاطر مع صعود الزعماء الأقوياء وتراجع الضوابط المؤسسية. في الصين، يقود التطهير العسكري إلى جيش أكثر خضوعًا، لكنه أقل تنوعًا وخبرة. وعلى المستوى الدولي، تتقاطع هذه التحولات مع اضطراب السياسة الأمريكية، ما يجعل التوقع أصعب والاستقرار أضعف. في مثل هذا السياق، لا تنمو المخاطر داخل الدول وحدها، بل تمتد آثارها إلى النظام العالمي بأكمله.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/jan/30/the-guardian-view-on-chinas-military-purge-the-risks-grow-in-an-age-of-strongmen